عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
33
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
يسلك بنا في طريقة المستقيم الذي يسلك هو منه اليه . فصل : والعرش هو العالم الكبير وهو محل اسواء الرحمن ، والانسان هو العالم الصغير وهو محل استواء الله لأنه خلق آدم على صورته ، فانظر إلى هذا العالم الصغير اللطيف الإنساني كيف له الفضل والشرف على هذا العالم الكبير ، وتأمل كيف صغر الكبير وكبر الصغير وكل في محله ومرتبته فلو عرفت هذا السر لعرفت معنى قوله : " وسعني قلب عبدي المؤمن " . . . وأما قوله صلي الله علية وسلم : " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " . فالظاهر آنه ما وسعه في ذلك الوقت إلا الله وكم من نبي مرسل وملك مقرب وعارف ولي قد وسع العرش الذي هو العالم الكبير بأجمعه وما أحس به ولا بالى فظهر عظم هذه اللطيفة الإنسانية وشرفها وفضلها على العالم الكبير ، وبان آنه العالم الكبير كالنقطة للمحط فيان المحيط ولو كبرت هيئته مركب على تلك النقطة ومنها وللنقطة إلى كل جزء من الدائرة نسب مخصوص تفضل على الدائرة بما يختص به بعد ذلك من عدم التعدد في نفسها وغير ذلك من الخصائص . فالنقطة هو اسم الله والمحيط هو اسم الرحمن قال الله تعالى : " قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " 110 الاسراء . . . وقد بينا لك آن النقطة لها إلى كل جزء من أجزاء الدائرة نسب وإضافات ولا شك آن تلك النسب والإضافات جمعها للداترة أيضا فأيا منها نسب اليه هذه النسب والإضافات كان مستحقا لها كما أن الأسماء الحسنى جميعها ان سميت ووصفت بها اسم الله كانت له وليس للرحمن الا وجه من وجوه الله ظهرا فيه كما تستحقه المرتبة الرحمانية كما أن الدائرة ليست الا عين النقطة لظهور النقطة في كل جزء منها ، فما تم في الدائرة الا النقطة . واعلم أن الرحمن فعلان وهذه الصفة متى كانت في اسم صفة كانت لعموم ذلك الوصف في المحل المتصف به ، ولدلالة شده ظهور ذلك الوصف في الموصوف به . ولهذا كان اسمه الرحمن عاما ظاهرا في الدنيا والآخرة ، بخلاف اسمه الرحيم فان الرحمة في الآخرة أشد ظهور من الدنيا لحديت " ان لله مائه رحمة فواحدة في الدنيا بين الخلق بها يتواصلون وبها يتراحمون وتسعه وتسعون في الآخرة مدخره عند الله لا يخرجها إلا في يوم القيامة " . . وسر اسمه الرحيم انتهاء إلى الله ورجوع
--> ( 1 ) العجلوني : كشف الخفاء ، حديث رقم ( 254 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . ( 2 ) العجلوني : كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2157 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . ( 3 ) رواه مسلم ، كتاب التوبة ، باب فصل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة ، حديث رقم ( 19 - 2752 ) . ورواه أحمد في المسند ، حديث رقم ( 10818 ) .